الجصاص

214

أحكام القرآن

وقوله تعالى : ( قالت يا ويلتي ألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب ) ، فإنها مع علمها بأن ذلك في مقدور الله تعجبت بطبع البشرية قبل الفكر والروية ، كما ولى موسى عليه السلام مدبرا حين صارت عصاه حية حتى قيل له : ( أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ) [ القصص : 31 ] ، وإنما تعجبت لأن إبراهيم عليه السلام يقال إنه كان له في ذلك الوقت مائة وعشرون سنة ولسارة تسعون سنة . قوله تعالى : ( أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) ، يدل على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته ، لأن الملائكة قد سمت امرأة إبراهيم من أهل بيته ، وكذلك قال الله تعالى في مخاطبة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحا ) [ الأحزاب : 31 ] إلى قوله : ( وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) [ الأحزاب : 33 ] قد دخل فيه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن ابتداء الخطاب لهن . قوله تعالى : ( فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ) يعني : لما ذهب عنه الفزع جادل الملائكة حتى قالوا إنا أرسلنا إلى قوم لوط لتهلكهم ، فقال : إن فيها لوطا ! قالوا : نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ، يروى ذلك عن الحسن . وقيل : إنه سألهم فقال : أتهلكونهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين ؟ قالوا : لا ، ثم نزلهم إلى عشرة ، فقالوا لا ، يروى ذلك عن قتادة . ويقال : جادلهم ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب الاستيصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليقبلوا إلى الطاعة . ومن الناس من يحتج بذلك في جواز تأخير البيان ، لأن الملائكة أخبرت أنها تهلك قوم لوط ولم تبين المنجين منهم ، ومع ذلك فإن إبراهيم عليه السلام جادلهم وقال لهم : أتهلكونهم وفيهم كذا رجلا ! فيستدلون بذلك على جواز تأخير البيان ، وهذا ليس بشيء ، لأن إبراهيم سألهم عن الوجه الذي به استحقوا عذاب الاستيصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أو على سبيل التخويف ليرجعوا إلى الطاعة . قوله تعالى : ( أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) . وإنما قيل أصلاتك تأمرك لأنها بمنزلة الآمر بالخير والناهي عن الشر ، كما قال تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) [ العنكبوت : 45 ] ، وجائز أن يكون أخبرهم بذلك في حال الصلاة فقال : أصلاتك تأمرك بما ذكرت وعن الحسن : أدينك يأمرك ؟ أي فيه الأمر بهذا . قوله تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) والركون إلى الشيء هو السكون إليه بالأنس والمحبة ، فاقتضى ذلك النهي عن مجالسة الظالمين ومؤانستهم